الحوارات الإذاعية والتلفزيونية منها ما هو لحظي يهتم بالحاضر، وهذه عمرها قصير، وفي أحسن الأحوال تعتبر أرشيفًا لمرحلة محددة، أما الحوارات التي تستخرج فكر الضيف وآراءه العميقة فتبقى للزمن، ويمكن الاستماع لها حتى بعد عشرات السنين وكأنها حوارات جديدة. أستمع اليوم لحوارات أجراها العقّاد وطه حسين وغازي القصيبي وغيرهم فأجدها صالحة لهذا الزمن، لأنها حوارات فكرية، ولأن الأسئلة التي وجهت لهم استخرجت أجوبة مهمة. من مئات الحوارات التي أجريتها وجدت أن أجمل الحوارات استخرجت تلك الأجوبة التي لفتت انتباهنا نحن المستمعين إلى ما لم نكن نراه، وإلى الأفكار الإنسانية التي تجعل حياتنا أنقى وأطيب. كان الشعراء والأدباء هم أكثر من ينقلون المستمع إلى فضاءات إنسانية جديدة، وإلى قيم لا تصلح الحياة من دونها. اليوم عندما أستمع للقاء قديم أجريته أجد كمًا كبيرًا من الهدر على أسئلة الفيديو كليب، أو عن مواعيد الحفلات القادمة، أو عن تشابه لحن أو بيت شعر، كان الكثير من تلك الأسئلة يبحث عن إثارة أكثر من البحث عن معنى مفيد، ولو أجريت حوارات جديدة سأحاول أن تكون معظم الأسئلة تصلح لكل وقت، ولا بد أني سأحصل حينها على أجوبة لا تموت. لدي تسجيلات مهمة لبعض الضيوف، منها لقاء مع بدر بن عبد المحسن رحمه الله، لا أمل من الاستماع لأجوبته، ولم تختفِ عندي الدهشة في كل مرة أعيد فيها الاستماع، أو عندما أكتشف معنى جديدًا في أجوبته، كان رحمه الله يأخذ السؤال إلى مكان جديد أجمل من الذي كنت أقصده. الأمير بدر وبعض الضيوف كانوا فلاسفة، يرون من زوايا لا يراها الآخرون. تبقى الحوارات التي تبحث في أعماق الضيف الفكرية وتجاربه الإنسانية، وتُنسى الحوارات التي تختلق الإثارة للإثارة، لأن تأثيرها قصير!
ليف تولستوي: ما ينجو من الزمن ليس قوتك، ولا ذكاؤك، بل نقاء نيتك.
ليف تولستوي: ما ينجو من الزمن ليس قوتك، ولا ذكاؤك، بل نقاء نيتك.
